‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حكت عن السلط. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حكت عن السلط. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 8 أبريل 2010

من السلط إلى القدس

الدكتور محمود أبو طالب من أهم العلماء العرب في حقل التاريخ القديم، نشر عددا كبيرا من الدراسات المتخصصة معظمها باللغة الإنجليزية في دوريات متخصصة، وقد جمع مؤخرا عددا من هذه الدراسات في كتاب "من السلط إلى القدس" بعدما قام الأستاذ عمر الغول بترجمتها إلى العربية وساعده في تحريرها عفاف زيادة، وطبع الكتاب ونشر بدعم من البنك الأهلي الأردني.

في هذا الكتاب يقارن المؤلف بين الرواية التوراتية لاحتلال أرض كنعان باختبارها ومحاكمتها إلى علم الآثار، وهو اختبار مهم لأن الرواية التوراتية هذه هي التي تشكل أساسا عقائديا لإنشاء دولة إسرائيل في منتصف القرن العشرين.

إن الرواية التوراتية تقول إن بني إسرائيل قد هاجروا إلى المنطقة في الفترة الزمنية التي تعود إلى 1250 عاما قبل الميلاد، ويفترض أنهم حسب الرواية قد دخلوا في صراعات وتحالفات مع الممالك القائمة، كالمؤابيين والأدوميين والعمونيين ولكن التنقيبات والمسوحات الأثرية التي جرت في المنطقة لا تشير إلى أي أثر لاستيطان في المنطقة في العصر المشار إليه في التوراة برغم أن العمليات التي جرت كانت مجتهدة في محاولة البحث عن أي إشارة توافق الرواية التوراتية. وتذكر التوراة أسماء 31 مدينة احتلها الإسرائيليون في فلسطين ولكن عمليات البحث والتنقيب في هذه المواقع المشار إليها تؤكد أنها لم تكن مستوطنة في الفترة المذكورة في التوراة.

ولذلك فإن النتيجة التي يقترحها المؤلف هي أن بني إسرائيل مروا بالمنطقة في القرن السابع قبل الميلاد وليس القرن الثالث عشر، أو أنهم لم يمروا منها قط.

قد تكون الرواية البديلة أن بني إسرائيل تسربوا إلى المنطقة على نحو سلمي ومتدرج، وأن الهجرة كانت على هيئة عمليات هروب من الرق والاضطهاد في مصر ولجوء إلى الصحراء، وتعني كلمة خابيرو أو عبيرو، كما وردت في النصوص المصرية القديمة، الأشخاص الذين يعملون أرقاء أو جنود مأجورين في كيان سياسي لا ينتمون إليه، وقد استقرت هذه المجموعات الهاربة في كيانات وعشائر وجدت لها مكانا في المجتمعات الجديدة، وطورت مع الزمن كيانا ومجتمعا خاصا بها، وسيطرت على القرى والمدن الواقعة في السهول الموجودة على أسفل الهضاب في غربي فلسطين، ويؤمن بهذه النظرية علماء آثار يهود، مثل يوحنا أهاروني الأستاذ بجامعة تل أبيب.

وبعد قيام دولة إسرائيل ثم احتلال الضفة الغربية عام 1967 قامت جهود آثارية دقيقة ومكثفة، ويرجح باحثون إسرائيليون بناء على هذه الجهود مثل فنكلشتاين نظرية التسرب السلمي التدريجي، وتكشف البحوث الأثرية أنه بعد القرن العاشر قبل الميلاد بدأت تتشكل قرى بدائية مختلفة عن القرى الكنعانية يعمل سكانها في الرعي والزراعة، وكانت أدواتهم الفخارية والمعدنية المستخدمة للطهو والتخزين بسيطة الصنعة وعديمة الزخرفة، ولكن لم يعرف بعد شيء عن ديانة أهلها، فلم يعثر علماء الآثار على مقامات دينية أو أدوات طقوسية، وقد يكون هؤلاء برأي فنكلشتاين إسرائيليين، ولكنهم انبثقوا من المجتمعات الكنعانية بعد انهيار نسق مدن الدول في العصر البرونزي المتأخر، ولم يأتوا من مصر في خروج واسع النطاق، ولم يدمروا مدنا أو يحتلوها، ويبدو أنهم تحولوا مع الزمن إلى الديانات السائدة في المنطقة.

وهكذا فإن عملية استبناء تاريخ الإسرائيليين اعتمادا على العهد القديم(والذي كتب في الفترة 332 -63 ق.م) والنتائج التي توصل إليها علماء الآثار التوراتيون بدأت تذوي حتى بطل الأخذ بها منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين.

وما تعلمه الآثاريون الإسرائيليون من تنقيباتهم على حد تعبير أحدهم "لم يكن الإسرائيليون في مصر، ولم يتيهوا في الصحراء، ولم يحتلوا الأرض بحملة عسكرية، ولم تكن مملكة داود وسليمان سوى مملكة قبلية صغيرة، ولم يتحول اليهود إلى التوحيد إلا بعد فترة طويلة في أواخر عهد المملكة".

إبراهيم غرايبة
الغد      

«ساحة العين» وسط السلط .. ملتقى ذكريات الماضي

في حلقات بشرية تتناثر وسط مدينة السلط او ما هو متعارف عليه (ساحة العين) اعتاد بعض كبار السن من ابناء المدينة وممن عاصروا بدايات نشاتها وتطورها الاستمتاع والجلوس في هذه الساحة ساعات الظهيره او ما بعد الظهر كتقليد ورثه الابناء عن الآباء والاجداد يتسامرون ويتجاذبون اطراف الحديث.

وبحسب كثيرين فإن الغالبية من معمري المدينة يستقوون على عجزهم ومرضهم ليثبتوا تواجدهم وبقاءهم على قيد االحياه يغدون الى الساحة او للصلاه جماعة في اقدم مسجد في المدينة.

وساحة السلط او ساحة العين التي حافظت على هذا الاسم قديما وحديثا كانت ولا تزال تمثل ذاكرة المكان بالنسبة لابناء المدينة ، والملتقى الذي يستذكرون فيه قصص الآباء والأجداد وذكريات عبق التاريخ بين الماضي والحاضر إضافة الى أنها لاتزال المنطلق الذي تتفرع منه الدروب والادراج الى حارات المدينة وأزقتها القديمة عبر الأدراج الحجرية التي قامت وزاره السياحة باعاده تشكيلها وترميمها بشكل يتناسب مع طبيعة تكوين المدينة من خلال مشروعات تطوير وسط السلط السياحي. ويستطيع الزائر لمدينة السلط مشاهده المباني الصفراء المطلة على الساحة وان يشاهد ساحه السلط من حاراتها العتيقة وهي تتوسط صحن المدينة وهي لا تزال تحتفظ ببقايا دكاكينها وقصورها بحجارتها الصفراء المشذبه بأبهى صور العماره وفنها ، من العيزرية والخندق والسلالم والجدعه والقلعة والجادور وهي تنتظم في عقد يوحي للمشاهد بأن بيوتها مبنية من طوابق فوق بعضها البعض .

كما ان الساحه تشكل المداخل الرئيسية لاقدم اسواق المدينة كسوق الحمام الذي جرى تبليطة بالحجر واقتصر على المشاه فقط وبقايا سوق الدخان وسوق الدير اضافه الى مطالع الحارات.

وفيما مضى كانت ساحة السلط الملتقى لابناء المدينة والمكان الذي يتفقدون فيه احوالهم ويتقصون الاخبار ويعقدون الاحلاف ويبيعون ويشترون الى جانب وجود مقر الحكومة (السرايا) والمسجد وباقي الدوائر الحكومية. وحديثا تنبهت بلدية السلط للامر فقامت بتوسيع الساحه وزراعة بعض الاشجار المعمرة وبناء المقاعد الحجرية وتنظيمها بما يشبه الاستراحه.

ويروي احد الظرفاء من كبار السن ان غالبية النزاعات العشائريه والفزعات التي كانت تقوم بين ابناء المدينة كان مصدرها من لقاءات ساحه السلط لتمتد الى باقي احياء المدينة التي تسكنها وتتجمع فيها عشائرها .

ولعل ساحه السلط اليوم تجاوزت مسأله كونها المكان المعهود لتجمع ابنائها بل تعدت ذلك لتصبح بمثابه الراصد لاحداث يوميه هي جزء من ذاكره المكان وشريط تسجيلي لاحداث وعراقة مدينة السلط وقصورها الصفراء وما تحويه من كنوز عمرانيه وحضارية .

نايف الكايد
الدستور  

السلط : بيت نعناع بزخارف مقتبسة من أوراق الشجر

هي مدينة تتخفى بين أوتاد الأرض إلى الحد الذي لا ترى منها سوى جهة واحدة ولكنها جهة صريحة في محبتها تتدلى بزهو وتنفتح باستدارة على بقية الجهات التي تتماهى معها.

كأنها بيت من النعناع بأربع عتبات أو يد مبسوطة ما فتئت تودع وتستقبل وتصير مأوى يزخر بعاطفة تعوض الفقد بحكم اتكاء تاريخها على التكافل، وسعيها الدائم لاستضافة الجمال الطبيعي والاحتفاء به منذ أن وشتها الطبيعة بملاذ عشبي شبه دائم يتمدد بين الفصول ويهيمن على العين بمهارات لونية تثير الدهشة والحب معا.

وإذا كان كل متجانس ومتصل يعني "المكان أو الحيز" فإنها متجانسة ومتصلة بغروبها الذي يحمر فتغدو كتلة ضوء وفجرها البلوري الذي لا يخلو من الصفاء الهادئ وشوارعها الحية وشرفاتها المطلة على الشوارع والساحات والأسواق، وتفردها عن بقية المدن الأردنية وربما عن المدن الشرق أوسطية، بمبانيها القديمة المبنية من الحجر الأصفر الذي يحتوي على تفاصيل نحتية كالبروزات والقباب والعقود المتقاطعة والزخارف الجميلة المقتبسة من ورق الشجر.

شعراء كثر حاولوا رسم مبسمها، ولكن هيهات أن يرسم هذا المبسم الغارق في اللذة، وهيهات أن تصل اللوحة بزيتها ومائها إلى مستوى الأصل الذي يروق له أن يحشر الكائن في شهقة الذهول.

ولأنها تحتاج إلى عين صافية كعين الديك القروي ظلت مكامنها الساحرة في ثوبها وفي ثوب أهلها الشهير الذي يصل طوله إلى 18 مترا، وتتم زخرفته بزخارف أرجوانية وزرقاء وظل وسطه مزينا بحزام مزخرف بالعملات الذهبية يطلق عليها "الشويحة"، وظل المجسم السلطي يشمخ بعيدا عن اللمسات الماكرة وعن مألوفية الكشف في اقترابه الأخاذ من الغموض الذي يحيط بكل جليل سواء سكن في المتحف أو ظل في العراء‏‏‏‏.

في العام 2008 صارت مدينة الثقافة الأردنية واحتفت بعصورها كافة بدءا بالعصر الحجري وحقبة الإسكندر المقدوني والعهود الهيلينية والبيزنطية والرومانية. ومروراً بالعهد الاسلامي لتؤكد أنها سلطية بامتياز.

سلطية:

" لا حارة ولا أكراد ولا جبل ولا واد"

‏فقديما قال الرحالة بيركهارت: تعيش عشائر السلط معاً في وفاق تام لأنها من القبائل البدويّة الاصيلة، رائيا أن السلطيين ظلوا متمسكين بالعادات كما ظلوا متمسكين بلهجتهم البدوية القحّة رغم انهم لا يرتحلون لما في أرضهم من خير،

وذكر بيركهارت أن أهالي السلط على حلف قوي مع بعض البدو في منطقة البلقاء والبلاد المحيطة بها، ولا سيما وأنهم أقوياء وشجعان ويستطيعون ملاقاة أي عدو بما لا يقل عن أربعمائة مسلَّح بالبنادق من رجالهم الأشدَّاء، علاوة على خمسين خيَّالاً مسلَّحاً بالرماح والغدرات آنذاك.

"السلط" كان يمكن أن تكون عاصمة المملكة في بدايات القرن ولكن عمان التي تبعد عنها 28 كم كانت الأوفر حظا، فظلت هي عاصمة للربيع وتحفة معمارية يتوفر فيها المرتفع وكذلك الوادي العميق وتنطوي على مناخ يتشابه مع مناخ البحر الأبيض المتوسط، خصوصا من حيث موعد سقوط الأمطار على مرتفعاتها التي تتراوح ما بين 790-1100 متر فوق مستوى سطح البحر.

يبلغ عدد سكان السلط حوالي 71100 نسمة بكثافة سكانية تبلغ 1479 نسمه/ كم2 ضمن مساحة المدينة البالغة حوالي 48 كم وقد ذكرت كتب التاريخ أنها كانت تدعى سابقا وحتى عهد قريب بالصلت وأحيانا كانت تدعى السلط. وبينت أن التسمية قد تكون مشتقة من الكلمة اللاتينية Saltus بمعنى "الوادي المشجر"، أو "الغابة الكثيفة" أو من "سلطا" السريانية بمعنى الصخر والحجر القاسي، وقد يعود اصل تسميتها إلى تسلطها على ما حولها وبروزها وارتفاعها، إضافة إلى أنها كانت تسمى "بسالتوس" نسبة إلى القائد اليوناني العظيم الذي فتحها زمن الإسكندر المقدوني.

كانت في الماضي مركزاً لأسقفية مسيحية خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين وكانت ذات بساتين، وتنبع من قلعتها عين كبيرة وبها ثلاثة جبال: "السلالم، و"الجدعة"، و"القلعة".

وقد شكلت شاهداً لا مثيل له على التراث العمراني، وكانت أيضا مركزاً للحاكم الإداري (القائم مقام) قبل مائتي عام، وفيها أكثر من سبعمائة مبنى تراثي يصل عمر بعضها إلى أكثر من أربعمائة عام، ويتراوح عمر بعضها الآخر بين مائة وومائتي عام، كما يتميز بعضها بطراز البناء التجاري حيث عرفت السلط كمركز تجاري لتجار بلاد الشام، كما عرفت بجملة من الأوائل: أول بلدية في الأردن هي بلديتها التي انشئت في العام 1884، وأول مدرسة ثانوية في الأردن هي مدرستها الثانوية التي بنيت في العام 1923، وشكلت قلعة معرفية وخرجت العديد من رجالات الأردن المهمين، وأول غرفة تجارة في الأردن، وأول جمعية للرفق بالحيوان، وفيها أقدم متحف في الأردن ويمثل تاريخ السلط ويحتوي على عدة اركان منها:

ركن الآثار القديمة والحلي والملابس والأدوات المنزلية القديمة، وكذلك العملة النقدية القديمة لعدة أزمنة وحضارات، وفيها مناطق أثرية وتاريخية؛ منها مقام نبي الله يوشع بن نون، وشلالات الرميمين، وحي السلط القديم، وسوق السكافية، وتحتوي كذلك على قصر أبو جابر، ويوجد فيها سلاسل جبلية جميلة يخال أنها لم تأتِ صدفة وعلى هذا التكوين.

السلط

مرتفعات سرو وسهوب للوز وعنب.

السلط

ممرات ياسمين وليمون.

السلط

بهجة المرئي وراحة المتعب إذا داعبته نسائم الندى

فراح في نوم الهناءة وهو يتفيأ حبها.


زياد العناني


الأربعاء، 7 أبريل 2010

أبيش أحلى من السلط

على طريق السلط يا ما ماشينا.
وان تعبت الرجلين نمشي ع ادينا.
لا جبل ولا واد.. سلطيه.
لا حارة ولا أكراد.. سلطيّة.
أبيش أحلى من السلط مهما لقينا.

هذه أغنية جديدة لعمر العبداللات، لن يعرف كلماتها إلاّ الذين يعبرون طريق السلط ويعرفون تفاصيله.. ولهذا الطريق تفاصيل مهمة.

أولها إنك إذا واعدت سلطياً فسيقول لك: إنتظرني عند كازية البحبوح .. أو طلعة الخرابشة لماذا يشكل المكان لغزاً في القلب لماذا مثلاً لا يكون اللقاء عند الجامعة الأهلية أو الكماليّة.. ثمة حدود في القلب أقوى من حدود الجغرافيا وربما كازية البحبوح وطلعة الخرابشة حدود أعمق من حدود الجغرافيا.
الذي لفت انتباهي في الأغنية هو كلمة (أبيش)… أبيش أحلى من السلط مهما لاقينا .. ربما الكلمة الوحيدة في القاموس العربي السلطية المنشأ واللفظ هي أبيش .. ولاحظوا كيف وظّفت في الأغنية بطريقة تخدم خصوصية الكلمات واللحن.

لو قلت ما في أحلى من السلط ، ستمر الجملة عابرة في الذهن ولكن حين تقول: أبيش أحلى من السلط يقنعك الكلام وتقنعك الجملة.. وتشعر انه فعلا ابيش أحلى من السلط .
من يقرأ المقال سيقول: عبد الهادي راجي (شكلوا متعشي إمبارح بالسلط).. بالمناسبة أسبوعياً لي عشاء… هناك، مستحيل أن يمر أسبوع، ابيش بيه عشاء في السلط .. ومن المستحيل أن يمر المقال هكذا دون الدعوة لتفعيل كلمة ابيش .. لتفعيل سلطيّة الدور وسلطية اللفظ في حياتنا.. أريد أن تكون جلسات الثقة مربوطة بكلمة (ابيش) للحفاظ على تراثنا الوطني.. فمثلا منح الثقة يتم بكلمة ثقة وحجبها يتم بكلمة ابيش ثقة ..

لتدخل في المناهج ولنقوم باضافة ابيش الى احرف النفي في درس النحو ويتم اطلاق لقب أبيش السلطية النافية.. لا نريد ان يقال أبيش فعل نفي بل تُعربْ هكذا: أبيش السلطية النافية.
يا لله ما أحلى اللهجة الأردنية على اللسان، والاهم من كل ذلك أنه بالرغم من قرب السلط من عمان وبالرغم من ان جزءاً من اهلها سكنوا عمان وولدوا فيها، الا ان (ابيش) ما زالت على ألسنتهم مثل السكر حين يمزج بالسمن البلدي.

تلك المرة الخامسة التي اكتب فيها عن السلط ليس دفاعا عن الحجر والشجر والشوارع، ولكن دفاعا عن الألسنة التي تنطق كلمة (ابيش).

الأردن حي وحرّ وشامخ تذكروا تلك الجملة حين تسمعون احدهم يقول: ابيش .
ابيش احلى من السلط مهما لقينا .

بقلم : عبد الهادي المجالي

يا كرامة

صباح الخير.. يا كرامة.

صباح الخير على «غازي عربيات».. وقد قيل لنا، انه كان قائدا للاستخبارات، وانه ارسل عناصره خلف الحدود، وابرق قبيل المعركة بأيام الى القيادة.. قائلا انهم حشدوا، والهجوم سيكون على عدة محاور.. بعض السياسيين هنا في عمان كذبوا الخبر.. ولكن غازي اكده وغازي «ابن السلط».. المجرب، وابن السنين العاريات من الفرح.. وابن المسدس.. والتقاء زند على زند عشية الدم في يوم الكرامة.

صباح الخير.. يا كرامة

صباح الخير على (كاسب صفوق الجربا)، اللواء المر.. والضابط (النشمي)، وقد كان قائدا للواء عالية.. وقبيل الهجوم قال له ضابط الاركان «يا سيدي.. لا تنزل للميدان وابتعد الى خلف خط النار».. قال له: يا سيدي انت عميد ولا نريد لرتبة عسكرية بحجمك ان نعرضها للنار او للأسر، وابى كاسب.. كاسب البدوي النبيل قال لضباطه وقتها.. لن اخرج من ساحة المنازلة حتى أؤمن للدبابات ان تلتحم وحتى اسمع صوت الحديد يصطك بالحديد.. وكان يهزج كاسب من فوق «الخندق» «طلي يا بسمة وشوفي افعالنا انت عليك تزغردي وحنا حماة دروعنا» ومرر عبر اللاسلكي رسالته: اعيقوا دباباتهم بالالتحام المباشر».

صباح الخير.. ايتها الكرامة.

صباح الخير على الدم البدوي المقاتل، وعلى المدفعية ترمي باسم الله، وعلى المشاة.. حين نهض واحد منهم، قيل عنه انه من معان، نهض وارخى زنديه على برج دبابة اسرائيلية.. والقى بالقنبلة في احضانهم، وقيل وقتها ان «معان» لفته بجدائل الصبايا.. وزغردت له، وان امه كحلت عينيها، وان عقالا بدويا «شمخ».. حين سمع عن الزند المعاني يجدل المستحيل.. ويعلن ان الجيش قد دحرهم.. وما عاد منهم سوى الخائبين وان النهر حتى النهر زغرد للبداوة وسقى عطشها من طهر ماء تعمد به المسيح.

صباح الخير على الكرامة..

ما زلنا نذكرك يا غازي، وانت تفترش الارض على مقربة من النهر، وتدقق في المعلومات.. وتبرق لقادتك النجب عن سير العمليات، وتقسم بالسلط وما بعد الهوى في عيون صباياها.. ان تحرق لحمهم بحديدهم وان تكون قذيفة المدفعية الاردنية، في قلب حقدهم.. ما زلنا نذكرك يا «غازي».. ونذكر الشهداء والاحياء الابطال.. الذين مرغوا الوجه بالوحل واماطوا اللثام عن جبهة الاردني وسطوة الحق.
… هل نسيت ذكر الاخرين.. طبعا لا ولكن حديث البطولة ضخم وواسع والاشارة الى رفيق من رفاق السلاح كأنها حديث عن كل هؤلاء الابطال.

صباح الخير.. ايتها الكرامة.. صباح الخير ايها الجنود.. فالوطن معقود بسباباتكم، بانعطاف الهوى على زند البندقية بخفقة القلب حين تكون الطلقة صائبة بالجيش المظفر.. المجيد.

صباح الخير ايتها الكرامة.
عبدالهادي راجي المجالي

السلط والكرك من أوراق كراسة العمر

السلط والكرك مدينتان أردنيتان عريقتان حبيبتان إلى قلبي قريبتان من روحي. حفرت اسميهما وشما بدويا على زندي. أباهي بهما الدنيا عندما أذكرهما في حلي وترحالي، «أتحزم» بهما سيفا أردنيا غمده لا ينكسر ولا يرتد أبدا. الله ما أحلاهما، نشميتان أردنيتان غاليتان «علي» في اقترابي منهما وفي ابتعادي عنهما.
ما كان حنيني يوما لمدينة وإنما لمدينة ووطن، واليوم مع الغروب والسفر أصبح حنيني لمدينتين ووطن. السلط فيها جذوري ومنها خرجت إلى الحياة كما تنمو بادرة قمح في سهول البلقاء ومؤاب ومؤتة. في حواريها كان ملعب طفولتي، وفي مدرستها الثانوية وعلى حجارتها كتبت قصائد الشباب، ونثرت أحلامي عطرا فوق ماء «عين الجادور»، وعلى ضوء قناديلها الزيتية سهرت مع أقراني من أطفال حارتنا، كنا نراقب الساهرين في أيام الصيف تحت معرشات العنب «والسارين» إلى حقولهم في كل يوم جديد.
الكرك امتداد لروحي ولرحلتي في الزمن القادم، وفيها وجدت شيئا كان ضائعا من ذاتي، وتعانقت روحي الهاربة بأرواح فرسانها، والتحمت مع عناصر الطبيعة فيها ومع ناسها. وتفاعلت كيمياء جسدي بالأشجار والحجارة والطيور، تجولت في حارات الكرك العتيقة، عانقت أشواقي القديمة، وألقيت السلام والتحية على من أعرفهم ومن غادروا من فرسانها. ألقيت التحية على صلاح الدين وكأنني به قد أسرج حصانه وتمنطق بدرعه حاملا ترسه ورمحه وخلفه جيش جرار، وللخيول صهيل، وللسيوف صليل. وعند بوابة الفتح الأول يلتقي جيش خالد وجيش صلاح الدين، وتنطلق من هناك الفرسان والخيول.
وعندما يسألني الناس أن أتحدث عن ذاكرة الزمان والمكان.. أقف على بوابات السلط والكرك، يشدني إليهما الشوق وأبدأ أردد قصائد شعرائهما، ويتواصل وجدي القديم بالجديد.
سألني صحفي «كركي جنوبي» لماذا تغيرت مفردات كتاباتك منذ جئت إلى الجنوب؟ تردد أحيانا الجنوب، وأحيانا الجنوبي… قلت للصديق هذا سؤال الجواب عنه بوح جميل يحتاج إلى كلام كثير.. لقد لاحظت هذا شخصيا وحاولت أن أجد الجواب في داخل هاتين المدينتين الكرك والسلط.
هناك تشابه كبير بين السلط والكرك، الإنسان والجغرافيا والتاريخ. حاولت أن أبحث عن جواب، وأخذت أتذكر وأقرأ من أوراق كراسة العمر.
الكرك ترتكز على قمة جبل عال وعلى «المشراف» قلعة الكرك التاريخية، والسلط «مركوزة» فوق جبال عاليات وعلى حافة جبل منها قلعة السلط، وكل منهما لها ذاكرة وأساطير تروى عن مغامرات فرسانها وشجاعة فتيانها. الكرك «هواها» غربي خليلي، وأبناؤها ينتمون في جذورهم إلى الصحراء وإلى فلسطين. والسلط «هواها» غربي نابلسي، وابناؤها لهم سمات رجال الصحراء وملامح أبناء جبل النار. ولأنني لست مؤرخا، فقد تجاوزت التفاصيل، ولكنني أعرف بأن هناك حنينا يعبر الوادي عبر النهر.
في السلط معمار يحمل تكوينات أبنية نابلس، أعمدة من الحجر الأصفر، ونوافذ و«بلكونات». وفي الكرك معمار وواجهات حضارية تحمل خصائص الفن المعماري للقادمين إليها منذ زمان بعيد. شرفاتها مطرزة بقوارير الورد.
السلط والبلقاء سهول وجبال تغمرها حقول القمح والكروم والزيتون، والكرك والجنوب سهول وجبال وهضاب على امتداد المدى كروم وزيتون وقمح. في السلط والبلقاء عادات وتقاليد وإرث حضاري ينتقل من جيل إلى جيل. وفي الكرك عادات وتقاليد وموروث حضاري يتجدد مع الأجيال يربط الماضي بالحاضر.
وفي السلط قبائل عربية تدين بالإسلام والمسيحية، وتتحالف القبائل دون اعتبار لطائفتها، فهناك ولاء عشائري متنوع محمود الغايات، نبيل الأهداف. وفي الكرك قبائل عربية تدين بالإسلام والمسيحية، وتتحالف متناسية اعتباراتها الطائفية، معتزة بجذورها العربية. وفي السلط «الجميد» السلطي، وفي البلقاء السمن البلقاوي والقهوة العربية. وفي الكرك «الجميد» الكركي من «زحوم» و«الجديدة» والقهوة العربية «ودلال مصهيات». وفي البلقاء «خيام» تذكر بمجد تليد، مشرعات أبوابها لاستقبال «الخطار»، وفي الجنوب «خيام» مطرزة منسوجة من وبر الجمال والأغنام، يسكنها البدو الجنوبيون وعلى المدى «العيس» والشيح والقيصوم. وفي السلط «الهجيني والصحجة والشروقي» والربابة. وفي الكرك السامر والترويدة وأشعار البادية. وفي السلط يرتدون الشماغ الأحمر والعقال والعباءة ويتمنطقون «بعتاد الفشك» و«الشبرية».
وفي الكرك الشماغ الأحمر والعقال والعباءة والدشداشة البدوية وسيوف وبنادق وخناجر. وفي الكرك ينابيع وبساتين «وعين سارة»، وفي السلط غدران وينابيع وعين البنات. وفي الكرك فرسان وقادة جيش وشهداء في فلسطين، وفي السلط فرسان وقادة جيش وشهداء في فلسطين. الكركيون والسلطيون نشامى الوطن، ربع الكفاف الحمر، عشاق الجندية، ولاؤهم للهاشميين ولآل البيت الأطهار، ومن منطلق الولاء وضعوا أنفسهم وأولادهم في خدمة آل البيت منذ عهد الجد المؤسس إلى عهد عبدالله الثاني وإلى يوم الدين.
وفي السلط مؤسسة إعمار ووثيقة السلط الشعبية، وفي الكرك مؤسسة إعمار ووثيقة الكرك الشعبية، وفي السلط مدرسة السلط الثانوية أم المدارس الأردنية وفي الكرك مدرسة الكرك الثانوية أقدم المدارس الأردنية.
هذا البوح جزء من الجواب ولكن الأهم، هو أن السلط والكرك مدينتان أردنيتان وقطعة غالية من وطن واحد هو الأردن. الحديث عن الكرك وعن الجنوب عذب مثل عذوبة القصائد البدوية، فكلما عبرت من بوابة الصحراء جنوبا نحو الجنوب تتوقد مشاعري بحب هذا الوطن، وأكتب أحلى الكلمات في رحلة الذهاب، وفي رحلة الإياب أشعر بالاغتراب وبالاقتراب من مدينة هي حبي الأول وهي عمري. الكرك خاصرة وطن شامخ وحكاية فرسان، والسلط شامة على خد الوطن وحكاية حب. والأردن الوطن الأغلى والأحلى أنى توجهت تلقاك وجوه فرسانها، وأنى توجهت تلقاك أرض مزروعة بالرماح وبالسيوف وبالكرامة. سلام الله عليك يا كرك، وسلام الله عليك يا سلط، وسلام الله عليك يا وطن.

د. سليمان عربيات

مدينة السلط كنز سياحي دفين.. من يستغله؟!

مدينة السلط رابع أكبر المدن الأردن من حيث عدد السكان، ويبلغ عدد سكانها نحو 300 ألف نسمة، تبعد عن العاصمة عمان  30 كيلومترا، كانت حتى بدايات القرن العشرين عاصمة إمارة شرق الأردن وسميت قديما بـ «سالتوس» نسبة إلى القائد اليوناني العظيم الذي فتحها زمن الاسكندر المقدوني.
«الحقيقة الدولية» زارتها ورصدت بالصوت والصورة طبيعتها الخلابة التي تميزت بآثارها التي تدل على عراقتها وأصالتها وبيوتها ودكاكينها القديمة التي هجرها أهلها فيما أغمضت الحكومات المتعاقبة عيونها عن جمال المدينة وما يحيط بها من مناطق سياحية.
المواطن حازم العبادي احد سكان المدينة أكد لـ «الحقيقة الدولية» أن السلط تشكل شاهدا لا مثيل له في المناظر الخلابة  حيث تزدحم بالأشجار والغابات، خاصة من جهة  الغرب المطلة على وادي الأردن وجبال فلسطين.
وبين العبادي أن مدينة السلط تواجه أزمة في الشأن الثقافي وخصوصا أنه تم إعلانها عاصمة للثقافة الأردنية للعام الحالي،  موضحا  أن البلدية لا تتوفر لديها الشروط الذاتية لقيادة دفة العاصمة الثقافية، كونها  تفتقر إلى  كادر وظيفي مؤهل لتنسيق الأعمال والأنشطة الثقافية.
وأضاف أن مركز الوثائق والمخطوطات التابع للبلدية والذي يمثل العمود الفقري للعمل الثقافي داخل السلط  تم تحويله إلى مستودع.
أما المواطن التاجر عبد الرحمن الغزو وهو يمتلك محلا لبيع «العبي» والمطرزات الشرقية في شارع الحمام ـ أحد المعالم السياحية في مدينة السلط أكد لـ «الحقيقة الدولية» أن شارع الحمام يحتاج إلى اهتمام واسع فالبيوت فيه قديمة وبحاجة ماسة إلى إعادة ترميم واستغلالها في إقامة المكتبات والمتاحف والمطاعم السياحية التي تجذب السائح إليها، إضافة إلى سقف الشارع ليستطيع السائح القدوم إليه في كافة فصول السنة.
ولفت  الغزو إلى  أن أكثر المعيقات أمام تشجيع السياحة في شارع الحمام السياحي هي  وجود محلات الخضار والفواكه والدواجن التي تؤثر على  السياحة داخل السوق كون تلك المحلات تسبب  المكاره الصحية للشارع  وتحوله إلى سوق شعبية.
وبين الغزو أن على البلدية سحب تراخيص تلك المحلات وتشجيع محلات بيع الحرف اليدوية والسياحية في السوق.
والتقى فريق «الحقيقة الدولية»  أحد أكبر رجال السلط سنا وهو  المواطن عبد الله أحمد البخيت ويعمل تاجرا في سوق الحمام منذ أكثر من 60 عاما فذكر أن سوق الحمام اخذ اسمه من حمام كان موجودا في السوق نفسه وظل هذا الحمام موجودا حتى وقت متأخر في فترة الثلاثينيات وكان يدخله الرجال في ساعات معينة والنساء في ساعات أخرى مقابل اجر محدود  ويضيف:  وكان الحمام  يوقد بالحطب والخرق البالية موضحا أن السوق هو الامتداد الطبيعي للمنطقة التجارية في الساحة باتجاه الشرق  وكان ذلك في العام  1948 يمتد من الساحة الرئيسية في وسط المدينة إلى كراج خشمان في نهاية شارع الحمام مع وجود بوابة رئيسية واحدة كانت تفتح عند بزوغ الفجر وتغلق بعد صلاة العشاء، مما يدل على عراقة هذا المكان وأهميته التاريخية الحديثة والسياحية.
رئيس بلدية السلط الكبرى المهندس سلامة الحياري أكد في لقاء أجرته معه «الحقيقة الدولية» أن مدينة السلط بحاجة إلى تكاثف الجهود لإبرازها كما يجب كمدينة سياحية وعاصمة الثقافة لعام 2008 مبينا أن البلدية تقوم حاليا وبالتعاون مع العديد من مؤسسات المجتمع المدني على إقامة فعاليات ثقافية أسبوعية وشهرية  وسيتم تغطية هذه الفعاليات بصحيفة شهرية تصدرها البلدية لترويج مدينة السلط سياحيا.
وفيما يتعلق بتطوير وسط المدينة وإعادة ترميم بيوت السلط القديمة وإقامة المكتبات والمرافق السياحية التي تنعش اقتصاد الأردن وتوفر فرص عمل لأبناء السلط أكد الحياري أنه تم انجاز جزء من المشروع والذي جاء بتمويل من البنك الياباني للتعاون الدولي، وأن العمل ما زال مستمرا في الخطة الثالثة للتطوير الذي يتوقع أن يطرح عطاءه خلال الأسبوعين القادمين.
وبين الحياري أن محلات الدواجن والخضار التي تعيق الهدف من إقامة مشروع تطوير شارع الحمام ليكون شارعا سياحيا، فان  البلدية تدرس حاليا سحب رخص هذه المحلات واستبدالها باستثمارات سياحية تعكس الحياة القديمة للشارع وذلك من خلال إقامة سوق شعبي في منطقة الكراجات.
وفيما يتعلق بالمنطقة الغربية التي تمتاز بمناظرها الخلابة أكد  الحياري أنه خاطب وزارة السياحة والآثار لإقامة مشاريع سياحية متمثلة في المنتجعات والقرى والمطاعم السياحية، وبين أن أهل السلط يأملون من الحكومة أن تأخذ أحلامهم على محل الجد في إقامة بانوراما في المنطقة  الغربية  تظهر فيها المناطق الجميلة التي تطل عليها هذه المنطقة.
وأضاف الحياري أن البلدية تحاول ترويج السلط سياحيا عن طريق موقعها الالكتروني والفعاليات الشعبية لكنها بحاجة إلى مستثمرين لإقامة المرافق السياحية المشجعة على السياحة هناك. 

الحقيقة الدولية ـ السلط ـ زينة حمدان

السلط مدينة الأصالة عبر التاريخ

السلط مدينة قديمة العهد تعود بنشأتها الى العصور الحجرية ،غنية بالموروث الثقافي والحضري والعمراني والاحداث التاريخية ، لا تزال تحتفظ بمركزها الاداري والتجاري لمحافظة البلقاء ، قائمة على كتف غور الاردن الاوسط تحتل قمم الجبال والتلال وتشرق على البطاح الخصبة والاودية المتصدعة الجميلة وكأنها الحارس الذي لا يغمض له جفن يتراوح ارتفاعها بين ( 800-1200) م فوق مستوى سطح البحر .
السلط حافظت على اصالتها منذ فجر التاريخ وعبر العصور القديمة حتى يومنا هذا وهناك شواهد عديدة على اصالتها فمن الشواهد طبيعي ومن الشواهد بشري ، فهي لا تزال معروفة باشجارها وثمارها وهو شاهداً حصل على شرف اسمها وسمي العنب السلطي وهو من أفضل أنواع العنب على مستوى العالم.
عندما أتحدث عن أصالة السلط لا بد لي ان أصنف أصالتها وفقاً للمعطيات والمقومات الطبيعية والبشرية ، اما عن المقومات الطبيعية التي ساهمت الى حد كبير في أصالتها وتطورها الحضاري، نجد موقعها الجغرافي الذي يتوسط الأردن ، ومن خلاله نطل على بدايات التاريخ البشري وعلى أقدم مدن الأرض أريحا الواقعة على الساحل الغربي للبحر الميت وهذه الإطلالة لا تحرمنا من رؤية اخفض بقاع الكرة الارضية على مستوى العالم نشاهد المياه المالحة الزرقاء للبحر الميت ونشاهد تعرجات نهر الأردن الخالد المقدس الذي تعمد فيه السيد المسيح عليه الصلاة والسلام ، نشاهد من مرتفعات السلط قبلة المسلمين الأولى ومأذن القدس والأقصى الشريف وترى كثيراً من مدن الضفة الغربية لنهر الاردن الخالد ، هذا الموقع ساهم في حقل شخصيتها عبر التاريخ وجعلها منذ زمن بعيد موضعاً يجتمع فيه القادة والساسة واصحاب اتخاذ القرارات موضعاً تتجمع فيه الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وغير ذلك من الفعاليات المختلفة وهذا الموضع اصبح نقطة انطلاق وانتشار بيارق النور والعلم والجهاد على ما جاورها من اماكن ومدن ومستوطنات بشرية في جميع الاتجاهات وبفضل هذا الموقع والموضع اصبحت السلط مركزاً حضارياً وتجارياً وجهادياً ومهداً ثقافياً لجميع أطياف المجتمع الأردني حضراً وريفاً وبادية .
اما الجانب الاخر لاصالة مدينة السلط يبرز من خلال مورفولوجية المدينة ( Land scape ) ومظاهر السطح لموضع المدينة فنجد ادراجها تتسلق سفوح الجبال والتلال ونجد شوارعها المبلطة وطراز عمرانها المثالي الفريد الماثل بالمباني وهندسة العمارة وحجرها الاصفر الذي اقتطع من جبالها ومحاجرها.
وتبرز أصالة مدينة السلط في نمط استعمالاتها الأرض فيها حيث استخدمت المناطق المنحدرة والمناطق الصخرية لغابات التوسع العمراني وأبقت على الأراضي السهلية والتربة الخصبة لغايات الزراعة وإنتاج المحاصيل وبهذا المنطق والسياسة فقد سبقت السلط معظم دول العالم والمنظمات الدولية على اسلوب ومنهج التنمية المستدامة .
وصفت السلط في كتابات الباحثين والمؤرخين وصفا موجزاً ومعبراً حيث يقول ( نجيب نصار ) 1865-1948 ( ان في تلال السلط وأوديتها ثروة عظيمة لا يمكن حصرها وفي عقول سكانها الأوفياء ذكاء خارق وفي أجسامهم نشاط كبير يحتاج الى ادارة نشطة لاخراج كنوز الارض وكل شيء في مناطق السلط جميل وملفت للنظر حتى المباني العتيقة يظهر عليها مسحة العروبة ولا تزال شاهداً على شموخ وجهاء المدينة وزعاماتها )
اختصت الطبيعة ارض البلقاء عامة والسلط خاصة بجمال وروعة مناظراها وخصب أراضيها وطيب هوائها وعذوبة مائها, وانعكس ذلك على صحة وعافية سكانها.
تحتل السلط حيز مكاني يفوح منه عطر التاريخ والجغرافية وعطر الاصالة القديمة والمعاصرة ، فقد كانت تدعى جدارا وهي عاصمة لمملكة بييريا وكانت من اكبر الحصون في شرق نهر الاردن وكان ذلك قبل الاف السنين .
اكدت المعطيات والمقومات البشرية على اصالة مدينة السلط عبر التاريخ حيث كشفت لنا بطون الكتب عن أن مدينة السلط تم اعتمادها قاعدة جهادية لقوات صلاح الدين الايوبي فمن مرتفعات جبال السلط تابع قادة صلاح الدين تحركات الصليبين في وادي نهر الاردن، وفي الوقت نفسه كانت احدى الفرق العسكرية لصلاح الدين قد اتخذت احدى اودية السلط المجاورة لقلعة السلط مكاناً لاقامتهم وهي فرقة من الاكراد الهكاربين وقد سمى ذلك الوادي بأسمهم ( وادي الاكراد) .
ان الحديث عن اصالة مدينة السلط عبر التاريخ لا يمكن حصرها فقد تأسس مجلس بلدي السلط بحود عام 1887 وهو من اقدم المجالس البلدية عن مستوى الاردن وكذلك فق سعى رئيس واعضاء المجلس البلدي الى تطوير المدينة وتزويدها بخدمة انارة الشوارع والطرقات والازقة وكذلك فقد اتخذ قرار بأنارة الشوارع والطرقات بواسطة لوكس يعمل على الكاز ويعلق على اعمدة خشبية وقد عين احد المواطنين كمتعهد مسؤول عن القيام بهذه المهمة ومتابعتها بشكل مستمر ودائم كل مساء ولقد تميز سكان مدينة السلط منذ القدم بنمط سلوكي عبر عن اتجاهاتهم ونمط تفكيرهم ، وهو المحافظة على البيئة والتكيف مع ظروفها والتعامل معها بشكل متوازن والاستفادة منها بالقدر المعقول بهدف تحقيق معدل نمو اقتصادي معتدل لاشباع حاجاتهم الاساسية بالاضافة الى سعيهم الدوؤب لتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال المشاركة الشعبية المتأصلة بنفوس ابناء المدينة منذ القدم سيما وان مدينة السلط هي بيت الجميع من ابناء ضفتي نهر الاردن ، فاشتهرت بكرم الضيافة وانصاف المظلوم ووقف المعتدي ولهذه الصفات حضيت السلط بلقب ( سلط المعزه ) ففيها يلتقي القديم بالحديث ويلتقى محبو القلم والحياه ولذلك فقد تمثلت فيها الاصالة شكلاً ومضموناً ولعل ابرز مثال على اصالة السلط بالمشاركة الشعبية وهي وثيقة السلط الشعبية التي اقرت من قبل وجهاء وسكان مدينة السلط مع بدايات عقد الثمانينات من القرن العشرين ، ولعل هذا النمط من السلوك الاجتماعي له دلالة على اهتمام السكان المحليين بالجوانب والقضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية.
فالسلط هي المدينة الاولى على مستوى الاردن التي حضنت اول مصنع للادوية البشرية عام 1966 ( الشركة العربية لصناعة الادوية ) .
ونظراً لإيمان ومعرفة جلالة الملك الحسين المعظم رحمه الله باصالة مدينة السلط فقد جاءت مكرمته لابناء الاردن عامة والسلط خاصة بإنشاء جامعة البلقاء التطبيقية عام 1997 ومركزها مدينة السلط لاكمال رسالتها التعليمية والثقافية وكذلك فقد سعى كل من القادة والساسة والأكاديميين الى إيجاد تخصصات علمية لا تتوافر في الجامعات الأردنية الرسمية والخاصة ولعل ابرز هذه التخصصات كلية التخطيط والادارة تخصص التخطيط الاقليمي وكلية الهندسة تخصص هندسة المساحة والجيوماتكس وغيرها من التخصصات التطبيقية .
ان هذه الاتجاهات وهذه الممارسات تناغمت مع رغبات سكان المدينة وقادتها فلهم منا ومن كل أبناء الأردن الشكر والعرفان ، حيث ان التخصصات العلمية الجديدة تمثل أصالة المدينة ودورها الريادي في مسيرة التنمية الأردنية وتطوير الموارد البشرية وبهدف تلبية متطلبات الإنسان الأردني وسوق العمل ومواكبة روح العصر والتكنولوجيا.
عندما اكتب عن أصالة مدينة السلط مركز محافظة البلقاء التي تطل على نهر الأردن بواجهة طولها 86 كم أوجه الانتباه إلى أنها المدينة الاولى في الاردن التي نشأ بجوارها وعلى مقربة منها عدداً من مشروعات التنمية المستدامة التي مثلت استراتيجية الاردن لمشروع الحصاد المائي حيث اقيمت عدداً من السدود المائية ابرزها سد وادي شعيب وسد الكفرين وسد الكرامة وسد الملك طلال على نهر الزرقاء .
وأخيرا وليس باخرا برزت اصالة مدينة السلط بحصولها على الجائزة الأولى كأنظف مدينة اردنية بفضل مساعي القائمين على ادارة مجلس بلدية السلط الكبرى سعادة المهندس ماهر ابو السمن وهو الرئيس السابق لبلدية السلط الكبرى.
هذه الجائزة تعبر عن سلوك المواطن الذي يقيم بمدنية السلط وينتمي لها حساً ومعنى سيما وان نظافة البيئة هي من مبادئ الدين الإسلامي وركن أساسي من أركان صناعة السياحة.

كتبها ل”عمون” الدكتور ممدوح ابو رمان

شموخ السلط ... وسلط الشموخ

ذاكرة الوطن زاخرة بالارث السلطي وذاكرة الأردنيين مليئة بفصول طويلة من تاريخ السلط ، الذي كان شاهدا على تأسيس الدولة الأردنية، خاصة وأن العديد من رجالات الوطن، الذين ساهموا في بناء هذا الصرح الأردني الشامخ تخرّجوا من مدرسة السلط التي شكلت منارة علم وثقافة وتربية واعداد جيل رائد من السياسيين الذين تشرّفوا بالعمل الوطني المخلص بقيادة الهواشم.
 واليوم ترتفع راية الثقافة الأردنية خفاقة في سماء روابي البلقاء الشمّاء، لتقود وعلى مدى عام كامل مسيرة المدن الثقافية، التي تعتبر انجازا وطنيا فريدا نعتز به.
ونحرص في الوزارة على ان تكون الثقافة هي المظلة التي نرسخ من خلالها ثقافة الولاء والانتماء.. وثقافة العطاء والانجاز ، والعمل على اسس تستند على النهج التشاركي وبروح الفريق الواحد ، لأن ثقافة البناء، تحتاج الى تفعيل كافة الجهود الوطنية، خاصة في هذه المرحلة التي يحتاج فيها الوطن أن نكون أكثر انجازا وعطاء.
 قائد الوطن ينتظر منّا الكثير لتكون المدن الثقافية مشعلا ينتقل من مدينه الى اخرى… والسلط التي تحمل مشعل الثقافة هذا العام، أرى فيها (أهزوجة أردنية )يرددها النشامى والنشميات في السلط  ليؤكدوا أن الأرث الأردني ضارب جذوره في التاريخ ,وأن ثقافتنا تستند الى شرعية الرسالة النبوية التي تقوم على الوسطية والاتزان والتسامح وتعتمد على إرث عروبتنا العريق وعلى مبادئ الثورة العربية الكبرى , لهذا يحق لنا أن نفخر وأن نفاخر بأن ثقافتنا الأردنية عريقة وأصيلة وتمتاز بالأصالة والحداثة.
ذاكرة السلط الثقافية مليئة بالفعاليات والأنشطة ,سيكون هذا العام 2008,صورة أردنية لإبراز حضارتنا وتاريخنا وإرثنا الوطني من السلط وفقا لروئ وتطلعات جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم .

مبروك للسلط مدينة الثقافة ومبروك للثقافة ذاكرة السلط


وإلى الأمام                          
              
 وزيرة الثقافة
نانسي باكير

بالتديج المريح

قبل قرن من الزمان، وفي ظروف معيشية شاقة، في سياق شديد الشبه يحاضرنا هذا، حيث قلة الحيلة وقصر ذات اليد، ظهرت “وثيقة السلط الشعبية” التي اعتبرت آنذاك ثورة اجتماعية شاملة، على جملة عادات وأعراف وتقاليد استحوذت بشكل باهظ عالي الكلفة على أنماط تعاطينا مع المناسبات الاجتماعية من أفراح وأحزان. فتميزت على الدوام بالتبذير والإفراط في التركيز على المظاهر، بما يؤكد المكانة الاجتماعية المتقدم.
عملت بنود الوثيقة على عقلنة السلوك الاجتماعي الميال نحو الفخفخة، ونجحت في تحقيق نوع من التوازن بين فئات المجتمع، من خلال اعتماد وسائل اقل بهرجة، متخلصة من كافة أشكال الاستعراض والوجاهة، ما أكسب الوثيقة قوتها أنها حازت على قبول فئات كثيرة من أبناء السلط، فصار لها حضور وإلزامية- مثل أي فكرة ديمقراطية حضارية – أنها استمدت قوتها من إرادة المجموع.
تجاوزت الوثيقة وقتها حدود السلط لتلقى رواجا في كافة مناطق المملكة  ، حيث اعتبرت وسيلة دفاع مجدية أمام هجمة الغلاء. تمكن الأردنيون  حينها من مواجهة أزمة اقتصادية لم تكن سهلة، من خلال ترشيد الاستهلاك، والعض على الجرح، لأن مواصلة الشكوى والتذمر لن تجدي نفعا.
 علينا كأفراد مسؤولية المساهمة بالتصدي للمشكلة من خلال التخلي عن أنماط الاستهلاك غير الرشيد، وتحكيم المنطق قبل الشروع في ابتياع أي بضائع غير أساسية مستغنين عن كل ما هو غير ضروري! هذا وحده ما قد ينقذنا من مغبة استمرار مسلسل طويل مليء بمشاهد مرعبة ومحزنة، علينا متابعتها في جميع الأحوال-حتى لو كنا قادرين على التنبؤ بما تخفيه الحلقات المقبلة من ذعر –. حيث يبدو عاديا خبر وقوع مواطن مغشيا عليه في محل بقالة جراء صدمته بارتفاع أسعار الحليب! ويبدو مطمئنا كذلك تصريح مصدر حكومي مسؤول إن سعر أنبوبة الغار لن يرتفع دفعة واحدة بل بالتدريج المريح!
من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى يقظة شعبية، يقودها نقابات وجمعيات ومؤسسات مجتمع محلي، في سبيل توعية المواطنين، بكيفية إدارة  سياستهم الشرائية بما يخفف المصاب على جيوبهم قدر الإمكان، ويقيهم شر الإفلاس المبكر، ويدفعهم إلى اتخاذ كافة الوسائل المضادة لاستغلال وطمع بعض التجار بما فيها مقاطعة بضائع ليست أساسية، لن يموت احد إذا انقطع عنها لردح من الزمان.وابتكار وسائل تقشف وتوفير، كأن تبادر ربات البيوت الى إحياء أمجاد طبخات سادت ثم بادت، بقيمة غذائية عالية مناسبة لفصل الشتاء وبأسعار معقولة نسبيا، كما علينا إبداء درجة اكبر من الصبر والتحمل، ولا بد من مشاركة الأولاد في حملة التوعية، كونهم
الفئة المستهدفة أساسا، عليهم أن يكفوا عن التطلب والضغط على الأهل  الرازحين تحت ضغوط مادية كبيرة، كي يتعلموا مفاهيم القناعة والقبول بما هو متوفر والتأقلم مع مصاعب الحياة، ذلك من شأنه أن يصنع أجيالا قوية تعرف معنى الصمود في مواجهة الصدمات.
مما لا شك فيه أن الحالة عصيبة خصوصا على ذوي الدخل المتدني، أرباب العائلات الكبيرة، الحائرين في كيفية ملاحقة الرغيف الهارب دوما نحو جهة غير معلومة! على فئة الموسرين وهم ليسوا بقلة، المساهمة في رأب الصدع بين طبقات المجتمع، والبحث في تنشيط سبل التكافل والتضامن، وتسديد دينهم إلى مجتمع ساهم بشكل ما في تحسين ظروف معيشتهم، في سبيل تطبيق عملي لمبادئ الرحمة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل، والابتعاد عن كافة مظاهر البذخ والترف الخادش بواقع الحال، غير المتلائم مع معطيات الواقع التي تدعونا جميعا إلى إعادة النظر في تفاصيل كثيرة من حياتنا اليومية، لعل الوقت أصبح ملائما لنفض الغبار عن وثيقة السلط الشعبية وبث الروح في بنودها باعتبارها نموذجا مشرقا في سبيل صد هجمة الأسعار هذه التي تمادت في غيها  وما تزال. 

بسمة النسور
جريدة الغد

السلط : المدينة والناس

تتخذ بيوتها من السفوح متكأ
وتمتلئ أدراجها ومصاطبها بالخصوصية والأسرار
تتعرج الطريق إليها بحنان مهيأة للقاء المدينة, تلك هي السلط عاصمة الثقافة الأردنية, بتاريخها ومدرستها وعمرانها وقد احتلت موقعها المشرف على الأغوار بامتياز, إنها عاصمة البلقاء وحاضرتها والأبلق هو الأكثر ضياء وبهاء
غيوم بيضاء ربيعية تأتي من خلف جبالها الغربية التي تطل على القدس حيث وقف يوشع منها متأملا قدس الأقداس أما أنا فمن السلالم تأملت هذا المنظر البهي لمدينة أكملت غوايتها ولبست حلتها الربيعية ومن خلفها تلك الغيوم المعطرة بأريج فلسطين, هكذا أخذتني المدينة نحو تفاصيل عاطفية ونوستالوجيا طفولية لم أحضر من أجلها إنما جئت متأملا عمرانها, لكنني لم أبتعد كثيرا فهي في جميع الأحوال جزء من معمار بلاد الشام, وتذكرني في الحال ببيوت القدس ونابلس وربما دمشق أيضا, رغم أن دمشق تقع على هضبة ممتدة تحت ظلال قاسيون فكان لبيوتها فناء داخلي متفق مع انبساط الأرض, لكن هناك تفاصيل أخرى مشتركة بين المعمارين في البيت الشامي والبيت السلطي مع قليل من الفوارق التي تتلاءم مع طبيعة السلط الجبلية.
تقع السلط على خاصرة طريق العارضة إلى الأغوار حيث تلج إليها عبر واديها, الواقع على يسار الطريق, وتكون السلالم على يمينك فارضا هيبته عليك وهو حي جبلي قديم, يحتل كتف واديها العامر بالناس والسيارات, هكذا تبدأ رحلتك إلى أعماقها وفي روحك شيء من هذا الجدل في طبقاتها, طبقة قديمة من جلعاد القديمة وطبقة بيزنطية عتيقة وأخرى إسلامية فوقها وثالثة تركية ثم حداثة السيارات والمحال التجارية والبشر.
في قلب المدينة حركة معمارية واضحة, ليس باتجاه البناء إنما باتجاه ترميم الماضي القريب, حركة إحياء لماضي المدينة التاريخي, بيوت أعيد استملاكها ليتم إعادتها كما كانت في أيام عزها, بيت الحمود وبيت المعشر وبيت البنا وبيت مسمار وبيوت كثيرة أخرى لعائلات السلط العريقة, ومشاريع لتفريغ الساحة الرئيسية من هجمة الإسمنت كي تعود للمدينة نضارتها.
تتميز مدينة السلط بإنشائية خاصة بها وبنسيج معماري معلق بشكل عامودي على سفوح جبالها (السلالم والقلعة والجدعة) التي تحيط ساحتها الداخلية في وادي السلط المؤدي إلى وادي شعيب هذا المركز الذي تتفرع منه الشوارع والأزقة والأدراج في كل جهات المدينة وشعابها وبهذا تتحول البيوت والمباني إلى نسيج معماري من خطوط عامودية وأخرى أفقية دوارة, وقد لوحها ضوء الشمس بمساحات مضيئة, وأخرى مظللة بالتناوب, صانعة سجادة مطرزة باللون الذهبي المنعكس عن حجارتها الصفراء, ومساحات زرقاء ضبابية صنعتها الظلال, وما بين الذهب والزرقة ترتجف الخضرة من أشجار وكروم.
البيت السلطي مكون من طابقين الأول هو عبارة عن تسوية ترتفع كي تكون أساسا مستويا لكامل مساحة البيت في الطابق الرئيسي كي يتلاءم مع ميل السفح الجبلي, أما الطابق الرئيسي فيتكون من مجموعة غرف تطل إلى الداخل وتنفتح على الخارج بوساطة شبابيك قوسية مزخرفة ومقرنصة, ومصطبة (تراس) معلقة على الخارج ومزينة بأعمدة وزخارف, أما الغرف فتنفتح على ساحة داخلية مفتوحة على السماء وفي الداخل حديقة بيتية صغيرة, تزينها ياسمينة أو كرمة وتغطي أرضها أنواع من نباتات الورد, وبعض البيوت لها بئر ماء واخرى للخزين, وقد يكون هناك كهف في السفح الجبلي خلف الدار.
أما أماكن العبادة فتتنوع بين مسجد وكنيسة ودير ومقام, ولكل بناء خصوصيته ويحمل خصائص عصور تاريخية مرت عليه, ومع ذلك يتعانق المسجد والكنيسة في المشهد البصري, ويتآلف الإثنان ويتعايشان, وهو تعايش قديم قدم المدينة وعائلاتها, التي أنشأت نوعا من ثقافة سلطية خاصة متسامحة ومشاكسة, تعترف بالآخر وتنفتح عليه, وتعتز بما لديها وما تملك من مقومات, ويتجلى ذلك بعناية أهلها بكل ما يعزز موقع المدينة الثقافي والسياسي والحضاري, وتمثل ذلك في كثير من مبادرات السلطيين, ابتداء من وثيقة السلط الشعبية وصولا إلى مؤسسة إعمار السلط وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني.
جمال المدينة وسحرها يشع من حجارتها الذهبية ومعمارها الأخاذ, إذ تتخذ البيوت من السفوح متكأ, فتبدو وكأنها طبقات من واجهة هرمية ضخمة, لكنها مبتسمة ووادعة, ذلك أن هندسة البيوت فيها تتشابه في كثير من الأحيان ببيوت القدس ونابلس ودمشق, فعمارة بلاد الشام هي السائدة هنا, لكن مضافة إليها الطبيعة الطبوغرافية لمدينة أقامت غوايتها على سفوح واديها المطرز بالدوالي والدحنون, وهكذا تأخذ الأدراج والسلالم مشروعية وجودها في هذه المصاطب المليئة بالخصوصية والأسرار.
شارع الحمام وهو شارع سياحي بجدارة حيث المحال التي تبيع الملابس والمصنوعات والحرف التقليدية وقد أعاد لي ذكريات الشوارع العتيقة في القدس القديمة, بل عادني ذكرى من حارة الياسمينة في نابلس, ولا عجب فالمدينتان توأمان منذ الأزل, وقد أخبرني أحد السلطيين أن أبا الشاعر حسني فريز كان بناء ونقاش حجر, وقد صنع بيته في السلط على غرار بيوت بناها في نابلس, بل إن كثيرا من النوابلسية قد أصبحوا سلطيين, وكان البناءون هم أنفسهم من بنى تلك البيوت في المدينتين التوأمين.
في شهادة للفنان والمعماري عمار خماش عن مدينة السلط عندما رسمها إذ يقول;- (الرسم وسيلة للتدقيق في تفاصيل الواقع..عندما أرسم مدينة أو قرية أحفظها في ذاكرتي مدى الحياة, وذلك لأن عيناي تتجولان على أطراف الأسوار والنوافذ والأدراج, فإذا قمت برسم باب مثلا فإنني قد رأيته بتفحص, اللوحة تقوم بنشاط العين, الرسم برهان الرؤية), فكل بيت له خصوصية, وكل ركن فيه مشغول بأناقة التفاصيل المعمارية الدقيقة, المقرنصات والأعمدة والأبواب والأقواس والبلاط الحجري, وكل ردهة ونافذة مشغولة بأناقة وفرادة, استفادت من مخزون عمراني متراكم, لمجموعة حضارات سادت ثم بادت, وظلت السلط الشاهد على تلك الحضارات وعلى معمارها الأخاذ.
في السلط أشعرأنني في بيتي, كما أشعر أنني أسكن في جسدي, شيء من السر والغموض والغرابة يستقر في أناي, وأعيش زمنا طويلا بجميع حواسي ومشاعري هنا في شوارع السلط العتيقة, الأصوات والروائح والألوان والحركات والبشر وكل شيء فيها, يتحدى مصادفات الزمان والمكان, هي صورة لرسام مثلي تتحدى وتقول;- أنا هنا أنا السلط والمغامرة, فتعال إلي لتسكنني وأسكنك.

العرب اليوم- محمد أبوزريق

السلط : الثقافة والتاريخ

هيَ اليومَ حاضرةُ البلقاء تعتلي بكبرياءٍ إحدى قممِ جبال جلعاد تطل من علٍ على أغوار داميا والشقاق وطواحين السكر وكبد التي كانت أرض الرباط في مواجهة الغزاة الفرنجة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وتناجي أولى القبلتين وتؤاخيها على مر القرون، وتمد يدها إلى جبل النار وأهله وتتواصل معهم وتؤازرهم لتدفع عنهم أسباب المنون. بل السلط كانت من قبل أن تلحظها السنون ربما من قبل الحقبة الأغريقية التي كان لها فيها وجود ضمن هوية فيلاديلفيا الثقافية. تميزت إبانها بعيون الماء فيها وحولها وبالأشجار المثمرة في واديها وبالأضرحة للأخيار ممن اصطفاهم رب البرية، وهي ما زالت اليومَ في كبريائها وعنفوانها تغدق العطاءَ للوطن والأمة في تعددية إثنية ودينية ومذهبية وثقافية قلت مثيلاتها، ويصدق في عهدها وتاريخه قولُ أبي تمام:
من عهد إسكندرٍ أو قبلَ ذلكَ قدْ      شابَتْ نواصِي الليالِي وهْيَ لمْ تَشِبِ
والسلط بذلك قد خبرت الزمان وصروفَه، وعرفت الوطن وظروفه، واحتلت فيه مواقع إدارية وسياسية تليق بها وقد صهرت في حارة العين رجالاً من شتى المنابت والأصول: أكراداً وعربا من قيس ويمن، شراكسة وأرمن، مسلمين ونصارى، رجالاً مع أهليهم من حماة ودمشق، من نابلس والقدس والخليل، من الحجاز وعسير، والتفت حولها قبائل البلقاء الأردنية وعشائرها وحليفاتها، واستقرت حاضرة للبلقاء منذ عصور، وكانت السباقة في احتضان الأمير الهاشمي عبدالله بن الحسين لتكون العاصمة الأولى لإمارة الشرق العربي قبل أن تنتقل العاصمة إلى عمان وقبل أن تتخذ البلاد اسم إمارة شرق الأردن.
وللسلط في قلوب الأردنيين مكانة خاصة، إذ كانت وجهة أنظارهم لطلب العلم لَما كانت المعاهدُ عزيزةً في ربوع الإمارة والمملكة، ومدرستها الثانوية مأثر أردني ما زال قائماً وعاملا حتى يومنا هذا، وكان المعهد الوحيد الذي فيه تخرج أفواج من الشباب الأردني، منهم من تابع دراساته الجامعية ومنهم من ولج دروب الإدارة أو انتسب إلى الجيش العربي: القوات المسلحة الأردنية، وجابه العديدون منهم التحدي الحضاري لنشر الثقافة في ربوع الوطن وتنشئة الأجيال النشأة العربية وفق الرسالة القومية التي حملتها ألوية الثورة العربية الكبرى المظفرة. فأنشأوا أجيالاً أردنية منتمية إلى وطنها وأمتها، أعطت ولاءها ولواءها لقادتها من بني هاشم وأبلت البلاء الحسن في الدفاع عن الوطن وإرساء دعائم دولته، والسلط إلى جانب من دفعته من أبنائها إلى ساحات الشرف في فلسطين والكرامة أنجبت الوزراء والسفراء والأعيان وآخرين ممن أثروا الإنتاج الفكري الحر منه والأيديولوجي والشعر والرواية والنثر والصحافة والمسرح والفنون، ومنهم بالطبع رواد في المهن التربوية والطبية والهندسية والحقوقية وسائر المهن العلمية التطبيقية والعلوم الإنسانية، ولا غرو في أي من ذلك فالسلط كما أسلفنا رائدة العلم والإدارة وهي بجدارة عاصمة حولية للثقافة.
ومن خصائصها السهلة الممتنعة رسائل تبثها للمجتمع فهي بالرغم من أصالتها وعمق تاريخها واتساع بحر ثقافتها مواكبة لروح العصر، حريصة على حراكها وحركتها إلى الأمام نحو التقدم والإرتقاء. ومن جميل رسائلها ما بثته للمجتمع الأردني قبل نيف وربع قرن عندما أجمع أعيانها على إصدار وثيقة السلط في تعبير واضح عن الحراك الحضاري والتكاتف الاجتماعي وتطوير الأصيل من عادات العرب وترجمة طباعهم الحميدة.  وقد كنا إلى جانب الحسين العظيم – طيب الله ثراه- من أوائل من باركها يوم ولادتها وأثنى على الجهود السلطية الحريصة على صياغة ثقافة اليوم بلغة الحاضر وروحه.
ونحن اليوم في ثورة تكنولوجية ومعلوماتية بدأت منذ سنين ولم يهدأ أوارها تؤثر في حياة مجتمعنا وتصوغ عصره وأصبح حالنا يحول بسرعة وتسارع لا يجدي معهما التمسك بأهداب ما كان رائجاً قبل عقد من الزمان، حتى أضحى الفرد منا غير الفرد الذي أصبح، ومحق لذلك من يخشى على أصالة مجتمعنا من التخبط والضياع، بل إن في مرمى العين بعضٌ من الخصال الغريبة مما لا تقره سجايانا وطبائعنا ولنا فيها ملاحظات وأقوال.
وأين لنا من صون كنوزنا الثقافية في بيئة تغولت عليها قوى السوق دون لاجم لها أو صاد، وأنا هنا لا ألوم المحليَّ من المؤثرات بالقدر الذي أعطي المؤثرات الخارجية نصيبها من اللوم، فنحن مستوردون لمعظم ما نستعمله من نتاج الصناعة والتكنولوجيا، بل نحن اليوم نعتمد في معظم غذائنا على ما ينتجه الغرباء، وقد ازداد ضغطنا على موارد مياهنا المحدودة وموارد الأرض والتربة إلى المدى الذي خيب الآمال في الحفاظ على بيئة جميلة للوطن كانت زاهية إلى عهد قريب في الأزرق وخط شبيب ووادي شعيب وكافة الأودية في وطننا من وادي اليرموك شمالاً إلى قاع السعيديين ووادي اليتم جنوباً.
وأين لنا من الحفاظ على كنوزنا التراثية وجميل عاداتنا في جو مغبر بالزوابع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تعصف بمنطقتنا وتمعن فيها إنهاكاً. وحبذا ومضة تضيء طريقاً للمجتمع في هذه الأجواء المكفهرة، إذ أخال اليوم الذي نتمنى فيه استرداد روح المجتمع يغذ السير نحونا، ونحن على علم أنْ "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، فعلينا إذن أن نعد للمواجهة عدتها وندفع عن مجتمعنا غائلة التهاون والهوان، فنحن نعلم أيضاً أنَّ "من يهن يسهل الهوان عليهِ".
وقد قضى الحسين العظيم أول ما قضى أنَّ "الإنسان أغلى ما نملك"، وقد كان طيب الله ثراه في ذلك محقاً، وفي خضم سني التحول الإجتماعي والتغير الأخلاقي أدركت أن أغلى ما نملك هو الإنسان المعطاء الخلاق الذي يعطي للوطن دون أن ينتظر عطاءه، وفينا والحمد لله من هؤلاء كثيرون.
ما أحوجنا إلى إحياء الخلق الأردني بهمة الأردنيين الأشاوس الذين لم تنحن جباههم إلا للخالق عز وجل، وما أحوجنا إلى التسلح الأخلاقي الجمعي ففيه يلفظ المجتمع الزوان من العادات الغريبة والطبائع المريبة وفيه منعة للوطن وقوة وسياج يحميه من غائلات الزمان. الخلق الذي يعرف حق الوطن وحق الجار وحق المستجير، خلق يؤمن أن الغني هو غنيُّ النفس وأن الفقير هو فقير العقل، خلق يلقي مقاليد أمور المجتمع لمن صلح من أبنائه لا لمن أثرى إبان تعسه وشقائه.
والخلق الأردني القويم الفرعي منه والجمعي كنز تراثي أوْلى بمدينة السلط أن تحمل لواءه وتنشره بمد يدها لتشد على يدي إربد سابقتها في احتضان عاصمة الثقافة ويد الكرك لاحقتها في استضافة تلك العاصمة وبالتعاون مع سائر بلديات المملكة وسكانها من أهل الحضر والمدر والوبر.
بوركت السلط وأعمالها ونواحيها ففيها من عشائرنا المشلخي والعبادي والبلقاوي وفيها الكردي والشركسي والشيشاني وفيها الغوراني وفيها المقيم والظاعن والحصيف والفاطن والقوي والواهن وعشائر قصبتها أصول عربية عاربة ومستعربة ومنها قيادات أردنية إجتماعية وسياسية أثرت تعدديتنا ودفعت بوطننا إلى الأمام.
الحسن بن طلال